محمد أبو زهرة
3934
زهرة التفاسير
المصائب في النفوس والأموال ، ومشاق التكليف ابتغاء وجه اللّه ، لا ليقال ما أصبره ، وأحمله للنوازل ، وأوقره عند الزلازل ، ولا لئلا يعاب بالجزع ، ولا لئلا يشمت به الأعداء كقول القائل : ( وتجلدى للشامتين أريهم ) « 1 » ، ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ، ولا مر فيه للفائت كقول القائل : ما إن جزعت ولا هلع * ت ولا يردُّ بكاىَ زنداً فكل عمل له وجوه ، فعلى المؤمن أن ينوى منها ما كان حسنا عند اللّه ، وإلا لم يستحق ثوابا ، وكان فعلا كلا فعل » ا ه « 2 » . قيل هذا الكلام بليغ ، وفيه بيان متى يكون الصبر ابتغاء وجه ربه ، ومتى لا يكون ، وإنه بلا ريب كلام حق ، ولكني أزيد عليه ، بأن كلمة : وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ لا بد أن يكون في موضع معين يكون الصبر فيه ابتغاء وجه اللّه ، أي يبيع المؤمن نفسه للّه تعالى صابرا محتسبا ، وهو الجهاد ، فهذه الجملة السامية أو الخصلة الكريمة مع أنها تفيد أن الصبر في كل أحواله خير ، وخصوصا إذا لم تقصد به المفاخرة ، كما جاء على لسان بعض الشعراء ، فإن الأخص هو الصبر في الجهاد ، يدفع نوازع النفس ، وبالتقدم للميدان رجاء ما عند اللّه تعالى ، والصبر في كل أحواله خير . ومعنى ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ أن يطلب رضا ذات اللّه تعالى العلية عليه . وعبر بالوجه عن الذات ؛ لأنه في أصل معناه اللغوي ما يواجه الإنسان . والخصلة الثانية : إقامة الصلاة ، أي الإتيان بها مستوفية الأركان ، وبخشوع وخضوع ، وبأداء حقيقة معناها الناهية عن الفحشاء والمنكر ، كما قال تعالى : . . . إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ . . . ( 45 ) [ العنكبوت ] ،
--> ( 1 ) يعنى إظهار الصبر مراءاة كيلا يشمت الشامتون . ( 2 ) الكشاف للزمخشري : ج 2 / 357 ، وتتمة البيت كما ذكره البيضاوي ج 6 / 376 : وتجلدى للشامتين أريهم * أنى لريب الدهر لا أتضعضع البيت لأبى ذؤيب قاله يرثى بنيه .